تعتبر زكاة الفطر من الشعائر الإسلامية المهمة التي فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين، وهي واجبة على كل مسلم قادر قبل صلاة عيد الفطر. شرعت زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين في يوم العيد. وقد أثار موضوع إخراج زكاة الفطر نقدا بدلا من الطعام جدلا واسعا بين العلماء والفقهاء، حيث اختلفت الآراء وتعددت الاجتهادات في هذه المسألة بين مجيز ومانع.
تعريف زكاة الفطر ومشروعيتها
زكاة الفطر هي صدقة واجبة على كل مسلم، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، إذا كان يملك
ما يزيد عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته. وقد فرضت في السنة الثانية للهجرة، قبل فرض زكاة المال.عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (متفق عليه).
الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر
ورد في الأحاديث النبوية ذكر أصناف معينة تخرج منها زكاة الفطر، وهي الأطعمة التي كانت سائدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب" (رواه البخاري).
وقد اتفق الفقهاء على جواز إخراج زكاة الفطر من هذه الأصناف، واختلفوا في جواز إخراجها من غيرها من الأطعمة أو النقود.
آراء المذاهب الفقهية في إخراج زكاة الفطر نقدا
المذهب الحنفي
يرى الحنفية جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، أي إخراجها نقدا بدلا من الطعام. واستدلوا بأن المقصود من زكاة الفطر هو سد حاجة الفقراء وإغناؤهم يوم العيد، وقد يكون النقد أنفع للفقير من الطعام في بعض الأحيان.
قال الإمام أبو حنيفة: "إخراج القيمة في الزكاة أفضل لأنه أقرب إلى دفع حاجة الفقير". كما استدلوا بما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال لأهل اليمن: "ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، فإنه أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة".
المذهب المالكي
يرى المالكية عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، ووجوب إخراجها من غالب قوت البلد من الحبوب. واستدلوا بظاهر النص الوارد في الحديث الذي حدد الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، ولم يذكر النقود.
قال الإمام مالك: "لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر، وإنما تخرج من الأصناف المنصوص عليها أو من غالب قوت البلد".
المذهب الشافعي
ذهب الشافعية إلى عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، ووجوب إخراجها من الأصناف المنصوص عليها أو من غالب قوت البلد. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، ولم يذكر النقود، مع إمكانية وجودها في عصره.
قال الإمام الشافعي: "لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها من أجناس مخصوصة".
المذهب الحنبلي
يرى الحنابلة عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، ووجوب إخراجها من الأصناف المنصوص عليها أو من غالب قوت البلد. واستدلوا بظاهر النص الوارد في الحديث، وبأن العدول عن المنصوص عليه إلى غيره مخالف للأمر النبوي.
قال الإمام أحمد: "لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها من أجناس مخصوصة، ولم يفرضها دراهم ولا دنانير".
أدلة المجيزين لإخراج زكاة الفطر نقدا
تحقيق المقصد الشرعي، يرى المجيزون أن المقصد الشرعي من زكاة الفطر هو إغناء الفقراء يوم العيد وإدخال السرور عليهم، وهذا المقصد قد يتحقق بالنقد أكثر من الطعام في بعض الأحيان، خاصة في عصرنا الحاضر.
قد تكون المصلحة في إخراج النقد أظهر، حيث يمكن للفقير أن يشتري به ما يحتاجه من طعام أو لباس أو غيرهما، بخلاف الطعام الذي قد لا يحتاجه.
عمل بعض الصحابة، ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يخرجون القيمة في الزكاة، كما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
تغير الظروف والأحوال، في العصر الحاضر، تغيرت الظروف والأحوال، وأصبح النقد أكثر تداولا وأيسر في التعامل، وقد يكون أنفع للفقير في كثير من الأحيان.
أدلة المانعين لإخراج زكاة الفطر نقدا
النص الصريح، ورد في الأحاديث النبوية تحديد الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، ولم يرد ذكر للنقود، مع إمكانية وجودها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
فعل النبي والصحابة، كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يخرجون زكاة الفطر من الأطعمة المذكورة في الأحاديث، ولم ينقل عنهم إخراجها نقدا بشكل صريح.
إخراج زكاة الفطر من الطعام فيه سد لذريعة التهاون في إخراجها أو التلاعب في قيمتها.
زكاة الفطر لها خصوصية تختلف عن زكاة المال، فهي مرتبطة بالفطر من رمضان وشرعت طعمة للمساكين في يوم العيد.
آراء العلماء المعاصرين
اختلف العلماء المعاصرون في حكم إخراج زكاة الفطر نقدا، تبعا لاختلاف المذاهب الفقهية:
- هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ذهبت إلى عدم جواز إخراج زكاة الفطر نقدا، ووجوب إخراجها طعاما، عملا بظاهر النص.
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي، لم يصدر قرارا محددا في هذه المسألة، لكن بعض أعضائه يميلون إلى جواز إخراج القيمة عند الحاجة أو المصلحة.
- دار الإفتاء المصرية، ترى جواز إخراج زكاة الفطر نقدا، أخذا بمذهب الإمام أبي حنيفة، ونظرا للمصلحة وتغير الظروف.
- الشيخ يوسف القرضاوي، يرى جواز إخراج زكاة الفطر نقدا، إذا كان ذلك أنفع للفقير، عملا بمقاصد الشريعة.
- الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، ذهبا إلى عدم جواز إخراج زكاة الفطر نقدا، ووجوب إخراجها طعاما، عملا بظاهر النص وفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
الأحوال التي قد يجوز فيها إخراج زكاة الفطر نقدا
على الرغم من اختلاف العلماء في هذه المسألة، إلا أن بعضهم يرى جواز إخراج زكاة الفطر نقدا في بعض الأحوال، منها:
- عند الحاجة أو الضرورة؛ كأن يتعذر الحصول على الأصناف المنصوص عليها أو غالب قوت البلد.
- تحقيق المصلحة الراجحة؛ إذا كان إخراج النقد أنفع للفقير وأحقق لمصلحته، خاصة في المجتمعات التي يكون فيها النقد أكثر نفعا من الطعام.
- عدم وجود من يقبل الطعام؛ في بعض البلدان، قد لا يوجد من يقبل الطعام، ويفضل الفقراء النقد لتلبية احتياجاتهم المختلفة.
- في حالة تكليف جهة موثوقة؛ كأن يوكل الشخص جهة خيرية موثوقة بإخراج زكاة الفطر نيابة عنه، ويكون إيصال النقد إليها أيسر من إيصال الطعام.
الترجيح بين الأقوال
بعد عرض آراء المذاهب الفقهية وأدلة كل فريق، يمكن القول بأن المسألة اجتهادية، والخلاف فيها معتبر. والراجح - والله أعلم - هو الجمع بين المذهبين، بحيث يكون الأصل هو إخراج زكاة الفطر طعاما، عملا بظاهر النص وفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، ويجوز إخراجها نقدا عند الحاجة أو المصلحة الراجحة، عملا بمقاصد الشريعة.
وهذا الترجيح يراعي الأدلة الشرعية من جهة، ويراعي المصلحة وتغير الظروف والأحوال من جهة أخرى، وهو ما يتفق مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
التطبيق العملي في عصرنا الحاضر
في عصرنا الحاضر، وفي ظل تغير الظروف والأحوال، يمكن تطبيق الرأي الراجح كما يلي:
- الأحوط والأفضل هو إخراج زكاة الفطر طعاما، عملا بظاهر النص وخروجا من الخلاف.
- في الحالات التي تكون فيها المصلحة في إخراج النقد أظهر، كأن يكون الفقير في حاجة إلى النقد أكثر من حاجته إلى الطعام، يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا.
- يمكن الاستعانة بالجهات الخيرية الموثوقة في توزيع زكاة الفطر، سواء كانت طعاما أو نقدا، بحسب ما تراه محققا للمصلحة.
- في الظروف الاستثنائية، كالكوارث الطبيعية أو الأزمات الإنسانية، قد يكون إخراج النقد أولى من إخراج الطعام، لتلبية الاحتياجات المختلفة للمتضررين.
بعد هذا العرض المفصل لمسألة إخراج زكاة الفطر نقدا، يتضح أن المسألة اجتهادية، والخلاف فيها معتبر بين العلماء قديما وحديثا. والراجح - والله أعلم - هو الجمع بين المذهبين، بحيث يكون الأصل هو إخراج زكاة الفطر طعاما، ويجوز إخراجها نقدا عند الحاجة أو المصلحة الراجحة.